مؤسس

الاسم : شمس محمد الاتربى
الجنسية : مصرية عربية 
جذوري تمتد إلى شبة الجزيرة العربية وولدت في أعماق الريف في قرية صغيرة اسمها إخطاب مركز أجا محافظة الدقهلية عاصمتها المنصورة

 عبير و عباس و شروق أبو الحسن اولادى و جميعهم ساهموا معي في عملي في فترات مختلفة و شهيرة العزبى و محي و الحسين روحي وآرون هم أحفادى

بدا مشواري مع الجلباب بالذات عندما أردت التعبير عن هويتي المصرية التأكد على عروبتي و اعتزازي بتراثي الفني و عن أن أقلد الآخرين مما يطلقون عليهم ملوك الموضة و معظمهم من أوربا
• لا يوجد علاقة أطلاقا بين دراستي بكلية التجارة و عالم الأزياء و أنما نبتت صلتي بالأزياء بصفة عامة من حبي لكل ما هو جميل تراه العين فتسر به و ينشرح الصدر
• فالجمال أينما كان في الطبيعة أو المعمار أو الأثاث اى كل ما هو من صنع الله أو الإنسان هو إضافة و قيمة جمالية ترتقي بذوق الإنسان و تنقى روحة من شوائب القبح
• كانت بدايتي مع صديقتي الحميمة شهيرة محرز و هي معروفة بعشقها للتراث العربي و دراستها المتعمقة للآثار الإسلامية فكانت أول من فتح لي بابا عريضا على عالم واسع ورحب من الكتب و السفر و مشاهدة كل المناطق الغنية بتراثها من الأزياء
• أما عن من أين استوحى الأزياء ( فكل ينفق مما عنده و أنا عندي تراثنا الجميل مليء و مشبع به وجداني ) و هذا ما يظهر في الخطوط الأولى كرسم للتصميم ثم يتجسد منتجاً في شكل جلباب
• و بالرغم تشجيعي و انحيازي الواضح للقديم فهذا ليس معناه انه كل القديم جميل أو كل الجديد قبيح
• لا اعلم ما الذي يميز الأزياء التي أنتجها عن غيرها لانى لست على دراية بما يوجد بالسوق لأنه لا يوجد لدى وقت لذلك فأن ساعات عملي تمتد أحيانا لتطغى على و قت حياتي الخاصة و ما بين العمل و الحياة الأسرية و الاجتماعية وأوقات راحتي و سفري لا أجد متنفسا لشيء أخر
• أنا و العاملين نعى أن لنا هدفا واحدا وهو إخراج زى مبذول فيه أقصى جهد ليصير اقرب ما يكون إلى ما هو في تصوري و قد أتعرض في بعض الأحيان إلى تعليق البعض من العاملين عندما أقول لهم ليس هذا ما فكرت فيه بالضبط و يكون ردهم أن عملائنا لا يعرفون ما في راسك فأجيب .. و لكنى أنا اعرف
• و من هنا تعرف أنني أخاطب نفسي و لا أخاطب أحدا يشترى أولا يشترى فشمس تعامل شمس ، فعندما لا أرضى عن شي " اتركه جانباً " و أبدا من جديد
• قدمت عروض أزياء كثيرة داخل مصر و خارجها و لم يكن الهدف منها تجارياً بقدر ما كان الترويج الثقافي لمنتج مصري
• أكثر الأوقات توتراً و قلقاً و شغفاً هي أوقات العمل في خلق زى جديد فالمراحل به كثيرة و متداخلة و به تفاصيل صغيرة إلى أن أراه ملبوساً في شكله النهائي و أرضى عنه فهذه جائزتي و استمتاعي الحقيقي أما عملية إعادة الإنتاج فهذه عملية مرهقة تماماً و اعتبرها نكد العمل حيث هناك ضبط جودة كل مرحلة على حدة حتى المرحلة الأخيرة
• تعتبر مصر من أغنى أن لم تكن أغنى بلاد العالم بتراثها من الأزياء و ذلك لتنوعها و تباينها و اختلافها الشديد بعضا عن البعض تبعاً لكل منطقة فيوجد في مصر النوبة و تشتهر بالجرجار الشفاف الأسود من تحته الجلباب الملون بمختلف الألوان الزاهية و في كل منطقة فيه جلباب مميز و من اشهره التلى باسنا و هو جلباب من التلى الأسود مشغول بخيوط فضية تختلط بالخيط الأحمر في بعضها و تتنوع أشكال التطريز و توزيعه من جلباب إلى أخر ، و الدلتا بها أبو رواش و ميت حمل و طنا ش و سلمنت و كلها بها أشياء مشتركة
• و مصر الوسطي مشهورة بالملس و الذي يرتدية أيضا بعض قبائل العرب ، و هناك الواحات الخارجة و الداخلة و البحرية و كل منطقة لها زيها الخاص و لكن هناك شيء ما يربطها ببعض ثم تأتى واحة سيوه المتميزة و المنفردة بزيها الخاص و حليها الكثيرة و غطاء بل و أغطية الرأس التي لا يماثلها في جمالها شيء ، ثم بدو شمال سيناء أيضا يتميزون و ينفردون بزى غنى بتطريزه بألوان جميلة متباينة و متناغمة و هناك أيضا أحزمة و طرح مشغولة و قناع الوجه المليء بالعملات الفضية أو الذهبية و حليهم و الرشايدة لهم زى خاص و بعيد كل البعد عن باقي الأزياء
• و فسلطين أيضا لها تراثها الذي نعتز به من الأزياء و له أيضا تنوعه و لكن هناك دائما بين الأزياء المختلفة شيء مشترك في المنطقة الخاصة به و الأردن أيضا و دول الخليج و منطقة أبها بالسعودية و لا تنسى الثوب الكويتي الذي ما زال يستخدم حتى ألان و هناك أيضا تونس و المغرب و الجزائر و سوريا
• جميع الخامات التي نستخدمها مصرية طبيعية ، قطن مصري مصنع لنا فقط و حرير طبيعي مغزول و منسوج يدوياً خصيصا لنا و خيوط قطن للتمكين . و خيوط التطريز إما قطن أو حرير و لا يوجد لون تتميز به منتجاتنا و أنما دائما معنا الأسود و الأبيض و الأحمر و البني و الكاكى و الأصفر و البرتقالي ثم ندخل من حين لأخر بعض الألوان الجديدة أننا ألان نستخدم ( 23 ) لونا و هذا يساعدني أيضا في إدخال أكثر من لون في الجلباب الواحد و لذلك ينبغي أن تكون الألوان متناغمة
• أنا لا أستدرج للعبة الموضة هذه فهي قيمة استهلاكية بحتة لتسويق بضاعة تفرض علينا من الغير . فرفع شعار أن لون ما أو طول أو قصات ما . هي الموضة ، يتم لإجبار المرأة على الشراء و لماذا اخضع لذوق غيري و من الذي فرض أو من الذي قرر أن هذه هي الموضة ؟
الموضة هي بمثابة تذوق جمالي بحت و ما يناسبني هو الذي أحس فيه بأنه يعبر عنى و انه أنا و لست شخصاً أخر
التطريز اليدوي عمل شاق نعم ولكنه يعرض بندرة إلى حد ما لطول المدة التي يستغرقها عمله و يقبل عليه المشترى لتفرده و قيمته
ليس لي طموحات خاصة فقضايايا الخاصة هي قضايايا العامة و هموم الوطن العربي هي همي الأكبر

كلمة أخيرة
أن أنماط الأزياء التقليدية هي في النهاية محدودة العدد و لكنها تمثل النبع الذي استقى منه مادة للابتكار و التجديد مستعينة أيضا بمفردات من تراث فنون أخرى بجانب الأزياء ، أن اقتناء زى من التراث أو مستوحى منه هو مثل اقتناء قطعه مصاغ أصيلة فهي فضلا عن نبل خاماتها و جمال صنعها تحمل أنفاس الماضي و تعيش طويلا إذا لا يحكمها سياق الموضات التي بحكم طبيعتها تتبدل و تختفي

الأزياء التقليدية
نحو البقاء أم نحو الاندثار ؟

تتجه الأزياء التقليدية في العالم الاسلامى ، مثلها مثل غيرها من الحرف ، نحو الاندثار ، إن الملابس التي تتميز بالذوق الرفيع و التي تشكلت عبر مئات السنين تعكس رقى حضارتنا وهى الان في طريقها إلى الاختفاء حتى الذاكرة ، على أحسن الفروض ستبقى بعض النماذج محفوظة في المتاحف أو ضمن مقتنيات شخصية للهواة و المهتمين ، بعيدة عن نظر و عن ذاكرة هؤلاء الذين كانوا يوما يصنعونها و يرتدونها

من خلال عملي على مدى أربعين عاما في مجال جمع و دراسة الأزياء و الحلي المصرية التقليدية ، أُتيح لي أن أكون شاهد عيان على مصير تراثنا من الحرف الشعبية ، وهو الموت التدريجي

في بدايات القرن العشرين كانت هناك تسع مناطق في مصر ترتدي فيها النساء أزياء تقليدية ( بعض قرى الصعيد و الدلتا ، النوبة ، الواحات الخارجة و الداخلة و البحرية ، واحة سيوة ، شمال سيناء ، الساحل الجنوبي من البحر الأحمر و لم تكن الملابس التقليدية في كل منطقة من هذه تقتصر على زيا واحداً إذا كانت في اغلب الأحيان لكل قرية أو مجموعه من القرى نمط رئيسي خاص بها بالإضافة إلى عده تنويعات وفقاً لطبيعة المناسبة التي يرتدى لها الزى وفقاً لطبيعة سن المرأة التي يصنع لها ( هل هي شابة أم عجوز ) و كذلك حالتها الاجتماعية ( متزوجة أم أرملة أم لم تتزوج بعد ) إلى جانب ذلك تميزت بعض المناطق بأزياء خاصة ترتديها النساء في حفل الزفاف و أخرى كجزء من " جهاز العروس "

فضلا عن جمالها الواضح ، كان للأزياء التقليدية مزايا أخرى ، إذ تطورت على مدى قرون في تواؤم تام مع الظروف الاجتماعية و الاقتصادية لمجتمعاتنا

اتسمت هذه الملابس بالحشمة و الراحة والتوافق مع المناخ ، كما كان تطورها شديد البطء فلم تعرف – حتى في القرن العشرين – التحولات الفجائية أو التعسفية التي تتميز بها " الموضة " و بالتالي على عكس الأزياء الغربية ، لم تدفع من يرتدونها إلى نمط استهلاكي يبدلون في إطار ملابسهم باستمرار

و بسبب استقرار الزى التقليدي الذي كان يرتدى عاماً بعد أخر بل و يورث من جيل إلى التالي ، لم تكن هذه الملابس تمثل عبئاً كبيراً على دخل الأسرة ، من الضرورة أن نذكر أيضا أن الأزياء التقليدية كان إنتاجها يتم محلياً و بالتالي مثلت كل الصناعات المرتبطة بها مجالاً خصباً لتوفير فرص عمل لاهالى المنطقة ، و تكونت فئة من الحرفيين يتوارث أفرادها مهنتهم أبا عن جد حتى أصبح لديهم خبرة و مهارة فائقة في تنفيذ الملابس التقليدية مهما كانت قصاتها أو تطريزاتها معقدة ، ينبغي هنا أن نذكر أن تلك الفئة حين اضطرت إلى دخول مضمار عمل الأزياء المستوردة لم تنجح في التمكن من هذه القصات الجديدة و المتبدلة عاماً بعد عام ، و بالتالي كانت الأزياء الغربية التي يصنعونها تبدو غير متناسقة على أجساد من يرتدونها ، خالية من مسحه الكبرياء التي كانت تسبغها عليهم الأزياء التقليدية البارعة التنفيذ

كما أدى هجر الحرفة إلى فقدان المجتمع قيمة راس المال الموضوع في أدوات الصناعة المرتبطة بالأزياء التقليدية ، مما انعكس بالخسارة على الاقتصاد القومي

نعود إلى مزايا الأزياء التقليدية فنذكر انه كان لكل قرية أو مجموعة من القرى نمط رئيسي يرتديه الأغنياء و الفقراء على حد سواء أو لان هذه الملابس كان مفترضا لها عمر طويل قد يمتد أحيانا ً إلى أكثر من جيل لم تكن الأسر ذات الدخول الأكثر تواضعاً تترد في إدخال ما يكفى للاستثمار في عمل و لو زيا واحداُ مرة في العمر ، و بذلك كان لهذه الأزياء فضل كبير في الحد من التوترات المرتبطة بمظاهر التميز الطبقي ، ففي المناسبات العامة مثل الأفراح و العزاءات لم يكن من الممكن التمييز بين السادة من عليه القوم و من يعملون لديهم ، بل يمكن القول انه في حالة الأزياء المطرزة يدوياً كانت أجمل الملابس تشاهد على أجساد امهر النساء و ليس أغناهن

قد يبدو لنا من كل ما سبق أن هناك أسبابا جيدة دعت إلى بقاء الأزياء التقليدية خصوصاً في حالة الطبقات الأكثر تواضعاً في مجتمعاتنا ، و لكن واقع الأمر أن الاهالى قد توقفوا عن ارتداء الزى التقليدي باستثناء قله قليلة من الفئة الأكبر سناً ، ربما نتفهم هذا التحول في ضوء ظروف العمل العصرية ، حيث يصعب تخيل عمال مصنع مثلاً أو طاقم مستشفى يرفل في الزى التقليدي ، و لكن ما يثير القلق هو اختفاء هذه الأزياء من كافة جوانب حياتنا ليس فقط اليومية بل بما فيها أوقات الفراغ و المناسبات الاجتماعية ، أن السبب الاساسى لهذه التصفية التي تتم بلا رحمة يكمن – كما يبدو – في الاغتراب الثقافي ، اى انعدام الثقة في قيمنا الثقافية وربط الأنماط الموروثة بالتخلف على خلاف الأزياء الغربية التي ترتبط بالحداثة و التعليم ، و بسبب هذا الاستبدال للأنماط التقليدية بموضات مستوردة انتهى المعلمون الكبار و الحرفيون ذو مهارة بالغة و الأجور المرتفعة إلى اللحاق بحشود العمالة غير الماهرة

تجدر الإشارة إلى أن الوضع في بلدان عربية و افريقية أخرى يبدو أفضل حالا منه في مصر ، لا يفوتنا هنا أن نحى " الثوب العلم " ذلك الجلباب الفلسطيني التقليدي المطرز باليد و الذي ترتديه النساء كرمز لمقاومة الاحتلال الاسرائيلى ، أن العائلات الثرية في بلاد المغرب تعتبره مدعاة للفخر أن يضم " جهاز العروس " عباءات من التراث التقليدي منسوجة بخيوط الذهب و الفضة ، نشاهد كذلك زعماء من دول افريقية يرفلون في أزيائهم القومية باعتزاز و كبرياء ، و في الأمارات و المملكة العربية السعودية و سلطنة عمان ما زال الرجال يرتدون الزى التقليدي في أثناء تأدية مهامهم الرسمية ، و لا يوجد ما يشير إلى أن هذا الزى معرض لخطر الاندثار قريباً ، و مع ذلك لا ينبغي أن ننسى أن ما أصابنا في مصر اليوم قد يهدد أمما أخرى في المستقبل

إذا كان السؤال المطروح الان هو ماذا يمكن فعله لإنقاذ ما يمكن انقاذ ، أن نبدأ بتصنيف المجتمعات على أساس علاقتها الحالية بالزى التقليدي ، يمكننا أن نتعرف على ثلاث فئات

مجتمعات تخلت عن أزيائها التقليدية منذ زمن طويل إلى درجة انمحاء هذه الأزياء من الذاكرة الحية
 مجتمعات لم تعد ترتدي الملابس التقليدية و لكن مازال أعضاؤها يذكرون شكلها من دون أن تكون لديهم القدرة على اعادة إنتاجها
 مجتمعات ما زال أفرادها الأكبر سناً يرتدون الزى ، كما يعرفون كيف يصنعونه

من البديهي أن الأزياء التي انمحت من وعى الناس لا يمكن أن تعود إلى الحياة بعملية اصطناعية ، لذلك فإنه بالنسبة للفئة الأولى في التصنيف السابق ينبغي أن تتوجه أولوية العمل إلى تحديد النماذج التي اختفت فعلا ، و القيام بتوثيقها و جعلها متاحة للناس من خلال أعمال منشورة و معارض ثقافية و عروض في المتاحف ، بهذه الطريقة فقط يمكن للأزياء التقليدية أن تدخل إدراك الاهالى و تحصل على قبولهم لها كجزء من التراث القومي . لا تسعنا الكلمات لوصف مدى أهمية هذا الدور الدعائي و يمكننا أن نعطى المثل التالي ( في أوائل السبعينات – كما قد يذكر هؤلاء الذين يسمح سنهم – قامت بعض المحلات الراقية في مدينة نيويورك بعرض زى المرأة الفلسطينية تحت عنوان " الملابس الشعبية الإسرائيلية " كان هذا العمل بداية لنوع من " الاختطاف " الثقافي الذي تم إجهاضه لحسن الحظ حين ظهرت على الساحة الدولية كتباً عن الأزياء الفلسطينية . أشير تحديداً إلى نشر كتاب يضم مجموعة السيدة وداد كعوار باسم " ملابس صبغتها الشمس

إذا انتقلنا إلى المجتمعات التي م زالت تذكر أو ترتدي الزى المحلى ، نجد أن هناك فرصا اكبر للنجاح في إبقاء الزى كتقليد حي

الشرط الأول لذلك هو تنفيذ خطة عمل لتدريب الاهالى على المهارات اللازمة لاستمرار الزى ، ففي الواقع تنشأ حلقة مفرغة بمجرد قيام الناس بالاستغناء عن ملابسهم التقليدية ، إذ يبدأ الحرفيون الذين ينتجون المواد الخام اللازمة لعمل الزى في هجر الحرفة و إذ يحدث ذلك يصبح مستحيلاً أن يرتد الوضع في اتجاه عكسي ، من هنا تبدو الأهمية البالغة لمحاولة انقاذ المهارات الفنية الخاصة بالغزل و الصباغة و النسيج و التطريز من الاندثار مع جيل الكبار

أود أن أشير هنا إلى تجربتي الشخصية كمديرة ، منذ عام 1981 لمشروع العريش للتطريز و الذي صمم بهدف الحفاظ على فن التطريز البدوي في شمال سيناء ، لم يكن من الصعب تدريب النساء العاملات على الغرزة التقليدية وذلك كون الزى التقليدي في هذه المنطقة لا يزال متواجداً و أن كان نادراً ، كما انه فضلا عن وجود المدربين من أعضاء ورشتنا كانت العاملات قد استفدن من رؤية أمهاتهن أو جداتهن و هن يطرزن الأثواب كما كن يستطعن كذلك اللجوء إلى واحدة أو أخرى لسؤالها و الاستفادة من خبراتها ، لم تكن المشكلة التي واجهناها في البداية من النوع الفني أذن و إنما على المستوى الجمالي

كانت " المراجع " قد اختفت من أمام أعين النساء ، حدث ذلك بان عقد الاحتلال الاسرائيلى حيث دأب التجار و الهواة الإسرائيليون على زيارة الأسواق البدوية و إخلائها من أفضل منتجاتها من الأكلمة و الحلي الفضية إلى جانب الأثواب البدوية ، لم يتبق على ارض سيناء سوى أفقر النماذج الخالية من الإبداع و الخيال ، يمكننا أن ندرك نتائج ذلك إذا عرفنا أن النساء كان من عادتهن أن " يقترضن " من أعمال بعضهن البعض ، و يعدن ترتيب هذه المفردات بطرق جديدة ليتوصلن إلى نتائج مبتكرة ، و إذ اختفى " قاموس " الوحدات باختفاء أجمل الأثواب الأصلية فقدت النساء القدرة على " التعبير الفصيح "

اذكر انه أثناء زيارة إلى أحدى القرى ، و جدت أن الأثواب القليلة المتبقية في حوزة النساء هناك كانت صوراً طبق الأصل من بعضها البعض ، و هو أمر يستحيل تصوره في مجتمع كانت تتبارى فيه النساء ليتفوقن على بعضهن البعض ، مجتمع شهير بقدرة نسائه الإبداعية حتى أن كل ثوب يعد قطعه فنيه بلا مثيل بالإضافة إلى ذلك التماثل الذي لاحظته بين الأثواب ، لم يكن التطريز يتعدى وحدة واحدة مكررة بلا نهاية و بنفس توزيعه الألوان على الأكمام و الصدر و الجوانب و الذيل في اختلاف تام مع الأنماط الرئيسية الأصلية المعروفة بتميز كل جزء من الثوب بتطريزه خاصة به

أمام واقع اختفاء المراجع ، قمت بالاستعانة بالأثواب الأصلية التي كنت قد جمعتها على مر السنين من هذه المنطقة ووضعتها تحت نظر العاملات كمصدر للإلهام إذ يشاهدن وحدات التطريز المختلفة و يتذكرن كيف كانت جداتهم يوزعنها على الأثواب ، و تعلمنا معاً فن مزج الخيوط الملونة بطريقة تحدث أثرا شديد الوقع كما كانت الأجيال السابقة تفعل ، و انتهينا إلى تكوين " بنك للوحدات " يضم مئات إن لم يكن ألافا من قطع القماش الصغيرة التي تعمل كل منها تطريزه منقولة عن أثواب قديمة ، و أصبح هذا البنك بديلاً للمرجعية المفقودة
أحدى المشكلات الأخرى تمثلت في ظهور الخامات الصناعية مثل قماش البوليستر و خيوط الاكرليك ، وذلك خلال سنوات الاحتلال الاسرائيلى و حين بدأنا العمل مع نساء المنطقة احتاج الأمر لبعض الوقت حتى نتوصل إلى إقناع النساء أن هذه الخامات غير مستحبة سواء من الناحية الجمالية أو من الناحية الصحية

إلى جانب مشروع العريش ، شمل نشاطي أنا و شركائي القيام بالتنقيب في ريف مصر وواحاتها بحثا عما تبقى من ملابس تقليدية و عن أشخاص مازالوا يعرفون كيف مصر وواحاتها بحثاً عما تبقى من ملابس تقليدية و عن أشخاص مازالوا يعرفون كيف ينتجونها ، و كنا دائما ننتهز اى فرصة ممكنة لنطلب أثوابا نعرضها في منفذ البيع بالقاهرة

أثناء مزاولتنا لهذا النشاط واجهنا نوعين من الصعوبات صادفناهما كذلك في شمال سيناء ، الأولى كانت أن ننجح في جعل النساء يصنعن الأثواب التي نطلبها ، بنفس الحب و الإعزاز و الفخر الذي يصنعن به أثوابهن الشخصية ، بعد أن ترسخ هذا المبدأ كان علينا أن نتعامل مع مشكلة محولتهن التزيد في " إرضائنا " أو إبهارنا عناصر لا يستعملونها في أثوابهن التقليدية بهدف إضفاء لمسة " عصرية "

كانت تلك النساء تبدو بالفعل مندهشة من رغبتنا في أن يصنعن الثوب كما لو أنهن سيرتدينه أنفسهن ، و لكننا كنا نسعى إلى أن نحافظ بقدر الامكان على أصالة النمط التقليدي ، و أن نلعب الدور الذي كانت تقوم به الزبائن المحلية في الماضي ، كان زبون الماضي له عين مدربة ، فكان يمارس دوراً رقابياً كما كان يضيف ابتكارات مستقاة من خبرته الأصلية و الطويلة ، إن هذه التفاعل بين الحرفيين و العملاء على مدى قرون طوال هو الذي سمح ليس للأزياء فقط و أنما لكل الحرف التقليدية بالنمو و التطور ، و قد أدى غياب هذا الزبون المتنور – كما اكتشفنا – إلى انحارف الحرف التقليدية عن أنماطها الأصلية و تهدينها في محاولة لإرضاء خيال السواح ، و يعد ما يسمى " بالثوب السلطة " في شمال سيناء احد الأمثلة على نتائج هذا التحول

برغم نجاحنا على مدى العقدين الماضيين في تدريب مئات الشابات ، إلا أننا أدركنا كذلك إن إبقاء المهارات حية هو شط ضروري و لكن ليس كاف لاستمرار الزى نفسه على قيد الحياة ، فمثلا لم تكن النساء العاملات معنا لديها استعداد لارتداء الزى التقليدي – باستثناء عدد محدود منهن ، كما أن مقابلات أجريت مع سكان مناطق أخرى كانوا لا يزالون يرتدون الزى التقليدي حتى عدة عقود ماضية ، أظهرت مدى اهتمامهم بارتداء ملابس سكان المراكز الحضرية و تقييمهم لأنفسهم على هذا الأساس ، و كان سكان هذه المراكز قد تحولوا إلى النمط الغربي في الأزياء منذ أواخر القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين ، على اى أساس ننتظر من النساء و الرجال في المناطق الريفية و البدوية أن يكونوا مختلفين ؟ كيف لهم فكرة أن يتمسكوا بطرق قد تخيلنا عنها نحن ؟ لماذا نطالبهم بأن يحملوا عبء الحفاظ على تقاليد قد هجرناها نحن – النخب المتعلمة من أهل المدن الصغيرة و الكبيرة – بلا تمييز ؟

من البديهي إننا لا نستطيع أن نطلب من سكان المدن أن يرتدوا إلى أساليب الملبس القديمة ، و لكن هل من الممكن أن نحثهم على أن يتحلوا بأزيائهم الأصلية ، في بعض المناسبات الخاصة ، على سبيل الإشارة إلى هويتنا ؟ إن استعدادهم لذلك – لو كان قائماً – سيكون له بلا شك ابلغ الأثر على سكان الريف وربما ينجو الزى التقليدي عندئذ من مصير الاندثار ، و لكن نتوقع من جمهور الحضر أن يهتم برمز لا يعنى له شيئاً في الواقع ؟ إن هذا الجمهور قد تعود على ربط هويته بطرز مستوردة من باريس وروما و نيويورك و ليس بتلك النابعة من ريفنا وواحات و صحارينا ، كان القرن التاسع عشر قد وضعنا في مواجهة الاستعمار العسكري ، أما في القرن العشرين فإن الاستعمار اتخذ شكلاً اقتصادياً و ثقافياً ، و بينا نتعرض باستمرار وبلا هوادة إلى حملات دعائية تعمل على غسيل المخ لتخدم مصالح المؤسسات الدولية العملاقة و كانت النتيجة إننا أصبحنا ننظر إلى ثقافتنا نظرة دونية ، و في كل المجتمعات الحضرية يسود الاعتقاد أن أساليبنا التقليدية لا تتفق مع التعليم و " الحداثة " ، كيف نتجاهل مائه و خمسين عاماً من الاغتراب الثقافي ؟ لا يبدو لي أن الموقف يقتصر على مشكلة الأزياء

بالرغم مما سبق ، فأنني أؤمن بأهمية إلا تظل نلقى باللوم على غيرنا فيما أصابنا أؤمن بضرورة أن نحاول مواجهة الفعل برد فعل في الاتجاه المعاكس بنفس القوة على الأقل لا يوجد رد سوى حملة قومية لاستعماره أو إعادة تأهيل قيمنا الثقافية و الجوانب المختلفة من ثقافتنا المادية مثل عمارتنا و فنوننا وحرفنا بالإضافة إلى أزيائنا ، يجب أن تلجأ مثل هذه الحملة إلى كل الوسائل و الإجراءات المتاحة ، فنقوم بحشد وسائل الأعلام في سبيل رفع وعينا بأهمية تراثنا القومي ، كما يجب أن تلقى المجموعات المحلية و المشاريع التي تسعى الىاحياء الحرف التقليدية معاملة متميزة عن معاملة المشاريع الخاصة بالسلع الاستهلاكية ، فنوفر لها الدعم و أموالا من صناديق التنمية و إعفاءات ضريبية خاصة ، كذلك يجب أن تدرس المهارات التقليدية لتلاميذ المدارس في المناطق التي نشأت فيها ، من خلال فصول أنشطة فنية ( كما حدث منذ سنوات في الكويت بالنسبة للكليم البدوي ) و بالتالي نضمن للمهارات التقليدية انتشاراً واسعاً و مستمراً كما نضمن لها في نفوس الأجيال القادمة الاحترام و الإعجاب اللازمين ، إلى جانب ذلك لا بد أن يتم عرض أزياء كل منطقة في المتاحف المحلية الصغيرة حتى يزداد الذين ما زالوا يرتدونها إعزازا لها و تقديراً لأنفسهم ، كما يجب أن نوفر التمويل لجميع أنواع جهود النشر بدءا من الكارت البريدي و انتهاء بالدراسات الأكاديمية

إن مثل هذه الحملة صعبة التخطيط و أكثر صعوبة في التنفيذ ، كما أن نجاحها تحقيق المنشود منها هو أمر تحيط به الشكوك ، لا أود أن أبدو متشائمة و لكنى اعتقد بالفعل أن الزمن ليس في صالحنا ، وانه بالنسبة لبلدان مثل مصر ، فإن أساليب الملبس الموروثة محكوم عليها بالاختفاء كتقليد حي ، كل ما أتمناه هو إلا يذهب موتها هذا هباء ، بمعنى أن تتمكن بلدان أخرى من الاستفادة من خسارتنا هذه . أما بالنسبة لنا فما تبقى أمامنا هو أن نصر على أن توضع أزيائنا التقليدية – وسائر جوانب ثقافتنا المهددة بخطر الانقراض – موضع رعاية الدولة حتى تجد طريقها إلى المتاحف القومية و إلى مناهج الدراسات الجامعية . كما يجب تشجيع المجمعات الخاصة ، و جهود البحث و النشر بصفتها من وسائل الاحتفاظ بهذه الذاكرة من اجل أجيال المستقبل
 

ملاحظة قانونية

جميع تصميمات التطريز و الرسومات هي مصرية خالصه و تخضع للحماية طبقا لقوانين الملكية الفكرية . يحظر تقليدها و من تسول له نفسه تقليد اى منها أو جزء منها سوف يواجه أقصى عقوبة كفلها القانون لردع مرتكبي جرائم الغش التجاري و التقليد . الدكان ، جميع الحقوق محفوظة